الذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل تجارة التجزئة.. والتحدي ينتقل من التكنولوجيا للتنفيذ

القاهرة- مباشر: أكد مسؤولون ومؤسسون بشركات عاملة في قطاعات التجارة الإلكترونية والتوزيع والتوصيل أن الذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل قطاع التجزئة بصورة تتجاوز أتمتة المهام التقليدية، ليصبح جزءًا من عمليات التخطيط واتخاذ القرار وتحسين تجربة العملاء، مشيرين إلى أن التحدي لم يعد في امتلاك التكنولوجيا بقدر ما أصبح مرتبطًا بقدرة الشركات على تنفيذها ودمجها في العمليات اليومية.

جاء ذلك خلال جلسة بعنوان «التجارة المدعومة بالذكاء الاصطناعي: بناء الجيل القادم من قطاع التجزئة» ضمن فعاليات Techne Summit 2026، بمشاركة سيف غلاب، المدير العام بقطاع الأغذية في Breadfast، جوهر سعيد، الشريك المؤسس لـSuplyd، علي ناصر، الرئيس التنفيذي لـShipBlu، عمرو فوزي، الشريك المؤسس والرئيس التنفيذي لـGoodsMart، ومحمود الزمر، الرئيس التنفيذي لـILLA، وأدار الجلسة مصطفى طه، رئيس قسم التجارة الإلكترونية بحياة. 

تأتي الجلسة ضمن فعاليات Techne التي تركز في نسختها الحالية على الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الناشئة والتجارة الإلكترونية واللوجستيات.

الذكاء الاصطناعي يتحول من أداة جديدة إلى «الوضع الطبيعي»

ناقش المتحدثون كيف انتقل الذكاء الاصطناعي خلال فترة قصيرة من كونه تقنية جديدة تحتاج إلى التجربة، إلى أداة أصبحت جزءًا من طريقة عمل الشركات، خاصة مع قدرته على التعامل مع كميات ضخمة من البيانات وتحليلها واستخراج توصيات تساعد الإدارة والفرق التشغيلية.

أشار المتحدثون إلى أن الاستخدام الفعلي للذكاء الاصطناعي يمكن أن يمنح الشركات قدرة أكبر على الرؤية والتخطيط، سواء فيما يتعلق بالتنبؤ بالطلب أو إدارة المخزون أو تحسين العمليات أو فهم سلوك العملاء.

في قطاع التجزئة، لم يعد العميل يهتم كثيرًا بما إذا كان الرد أو الخدمة مقدمًا بواسطة إنسان أو نظام ذكي، بقدر اهتمامه بالحصول على المعلومة الصحيحة، والخدمة الأسرع، وتوافر المنتج، وحل المشكلة بأقل قدر من الاحتكاك، وفقا للمتحدثين.

Breadfast: «الوضوح» أحد أكبر مكاسب الذكاء الاصطناعي

قال سيف غلاب، المدير العام بقطاع الأغذية في Breadfast، إن أحد أكبر المكاسب التي توفرها تطبيقات الذكاء الاصطناعي للأعمال هو زيادة وضوح الرؤية، خصوصًا في الشركات التي تتعامل مع آلاف البيانات والعمليات بصورة يومية.

أوضح أن استخدام الذكاء الاصطناعي يساعد الشركة في التعامل مع مؤشرات الأداء والتنبؤات بدرجة أعلى من الدقة، إلى جانب تطوير أنظمة للتوصية بالمنتجات؛ وهو ما يمكن أن ينعكس على سلوك المستهلك ومتوسط قيمة السلة الشرائية.

تابع أن الذكاء الاصطناعي يتيح تطوير تجربة أكثر تخصيصًا للعملاء، من خلال استخدام البيانات المتاحة لفهم احتياجات كل عميل وتقديم عروض ورسائل تتناسب مع سلوكه، بدلًا من الاعتماد على رسائل ترويجية عامة لجميع المستخدمين.

استكمل أن هذا التحول يرفع سقف توقعات المستهلك، الذي أصبح يتوقع الحصول على إجابة وخدمة على مدار الساعة وبسرعة كبيرة.

ShipBlu: الذكاء الاصطناعي لا يعوض ضعف العمليات

من جانبه، أوضح علي ناصر، الرئيس التنفيذي لـShipBlu، أن الذكاء الاصطناعي أصبح عنصرًا مهمًا في تحسين كفاءة عمليات التنفيذ والتوصيل، لكنه لا يستطيع بمفرده معالجة المشكلات الناتجة عن ضعف العمليات الأساسية داخل الشركة.

أشار إلى أن استخدام الذكاء الاصطناعي ساهم في تحسين كفاءة عمليات الـFulfillment ورفع مستوى الاعتمادية، وتقليل الوقت الذي تقضيه المنتجات داخل المنظومة مقارنة بالمعدلات التقليدية.

كما أكد أن القيمة الحقيقية لاستخدام الذكاء الاصطناعي تظهر عندما يتم دمجه داخل عمليات مصممة بشكل جيد، وليس باعتباره حلًا منفصلًا يمكنه إصلاح أي خلل تشغيلي.

«Distribution Brain».. من 20 يومًا إلى ساعة واحدة

وفي قطاع التوزيع، استعرض محمود الزمر، الرئيس التنفيذي لـILLA، تجربة تطوير نظام أطلق عليه «Distribution Brain»، يهدف إلى ربط مجموعة من العمليات التي كانت تُدار بصورة منفصلة، بداية من المخزون والنقل والتمويل والتجارة وحتى التخطيط واتخاذ القرار.

أوضح أن عمليات إعداد الميزانيات والتخطيط التي كانت تستغرق نحو 20 يومًا قبل بداية كل شهر، أصبحت تتم من خلال النظام في نحو ساعة واحدة، بما يسمح باتخاذ قرارات أكثر سرعة بناءً على البيانات.

تابع أن النظام يمتد إلى تحديد ما ينبغي شراؤه، والأهداف المطلوبة، وأهداف التجار، وحتى التفاصيل المتعلقة بكل منتج أو SKU (رمز الصنف). 

ورغم الاعتماد المتزايد على التكنولوجيا، أكد أن بعض الوظائف لا تزال تحتاج إلى العنصر البشري، خاصة المبيعات، إذ إن مندوب المبيعات لا يقوم بمجرد تنفيذ معاملة، وإنما يتعامل مباشرة مع صاحب المتجر واحتياجاته، وهو ما يجعل إلغاء التفاعل البشري بصورة كاملة أمرًا قد يحمل آثارًا سلبية على العلاقة التجارية.

من ساعتين إلى 15 ثانية.. الذكاء الاصطناعي يعيد رسم مسارات التوصيل

وضرب عمرو فوزي، الشريك المؤسس والرئيس التنفيذي لـGoodsMart، مثالًا باستخدام الذكاء الاصطناعي في تحديد مسارات التوصيل، موضحًا أن العملية كانت تتطلب في السابق فريقًا كاملًا يستغرق نحو ساعتين لتحديد عدد السيارات والسائقين والمسارات المناسبة وتوزيع الطلبات.

تابع، أما بعد استخدام نظام يعتمد على الذكاء الاصطناعي، فأصبح اتخاذ القرار المتعلق بالمسارات يتم في نحو 15 ثانية.

وتعكس هذه التجربة، بحسب "قوزي" إحدى أهم مزايا الذكاء الاصطناعي، وهي قدرته على تحليل عدد كبير من المتغيرات في وقت قصير للغاية، خاصة في القطاعات التي تتغير فيها البيانات بصورة مستمرة.

البيانات أولًا.. والذكاء الاصطناعي يأتي بعدها

وشدد جوهر سعيد، الشريك المؤسس لـSuplyd، على أن جودة مخرجات الذكاء الاصطناعي ترتبط بشكل مباشر بجودة البيانات والمدخلات التي يحصل عليها النظام.

أشار إلى أن الشركات التي ترغب في الاستفادة من التكنولوجيا تحتاج أولًا إلى تنظيم بياناتها وتوثيق عملياتها وسياساتها، بدلًا من الاعتماد على نماذج ذكاء اصطناعي دون تزويدها بالمعلومات الدقيقة الخاصة بالشركة.

وفي سياق متصل، طرح "علي ناصر" مثالًا بخدمة العملاء، موضحًا أن إعداد نظام ذكاء اصطناعي فعال يتطلب إنشاء قاعدة معرفية شاملة تتضمن سياسات الشركة وإجراءاتها وقواعد الاسترجاع والاستبدال وغيرها من التفاصيل التشغيلية.

تابع أن بذلك يمكن للنظام تقديم الإجابات والتوصيات استنادًا إلى معلومات موثقة، مع تقليل مساحة الإجابات غير الدقيقة أو المعلومات التي لا تتوافق مع سياسات الشركة.

الموظف لن يختفي.. لكن طبيعة عمله ستتغير

تطرق النقاش إلى تأثير الذكاء الاصطناعي على الوظائف، حيث رأى المشاركون أن التركيز لا ينبغي أن يكون على استبدال الموظفين بقدر ما يجب أن ينصب على إعادة توزيع أدوارهم على مهام ذات قيمة أعلى.

وأوضحوا أن الموظف الذي يستخدم الذكاء الاصطناعي بصورة صحيحة يمكن أن يصبح أكثر إنتاجية من الموظف الذي يعمل بالأساليب التقليدية، ما يجعل تدريب العاملين ورفع قدرتهم على التعامل مع التكنولوجيا جزءًا أساسيًا من عملية التحول.

وفي المقابل، حذر المتحدثون من التعامل مع مخرجات الذكاء الاصطناعي باعتبارها صحيحة بصورة تلقائية، مؤكدين ضرورة وجود قدر من النضج والخبرة لدى المستخدم لمراجعة البيانات والتقارير والنتائج، خاصة في القرارات المؤثرة على الأعمال.

خبراء: على العاملين في التكنولوجيا فهم «البزنس»

كما أشار المتحدثون إلى أن التغيير لن يقتصر على العاملين في القطاعات التشغيلية، بل سيمتد بقوة إلى العاملين في التكنولوجيا أنفسهم.

وأوضحوا أن الموظف التقني الذي يقتصر دوره على بناء الأنظمة قد يواجه تحديات أكبر مع تطور أدوات الذكاء الاصطناعي، بينما تزداد قيمة الشخص القادر على فهم العمليات والمبيعات وطبيعة النشاط التجاري، ثم ترجمة هذه المعرفة إلى أسئلة ومدخلات صحيحة للأنظمة الذكية.

وبالتالي، فإن المستقبل يتطلب انتقال العاملين في التكنولوجيا من مجرد التركيز على الجانب التقني إلى فهم أعمق لنموذج الأعمال والمشكلات التي يحاولون حلها، وفقا لخبراء التجارة الإلكترونية والتوزيع. 

«الذكاء أصبح Commodity».. التكنولوجيا تخفض تكلفة المنافسة

ورأى "جوهر" أن الذكاء الاصطناعي يخفض الفجوة بين الشركات من الناحية التكنولوجية، بعدما أصبحت القدرات التي كانت تتطلب فرقًا كبيرة وميزانيات ضخمة متاحة بصورة أسهل أمام الشركات الناشئة.

تابع أن «الذكاء» نفسه أصبح أقرب إلى Commodity أو سلعة متاحة على نطاق واسع، وبالتالي لم تعد التكنولوجيا وحدها هي العامل الذي يميز شركة عن أخرى.

تابع، أن المنافسة تنتقل تدريجيًا إلى قدرة الشركات على التنفيذ، والوصول إلى العملاء، وإدارة السوق، والتوزيع، وفهم احتياجات المستهلك.

هل يصل الذكاء الاصطناعي إلى مرحلة اتخاذ القرار؟

أثار المشاركون كذلك تساؤلات حول المرحلة المقبلة من تطور الذكاء الاصطناعي، وما إذا كان سيظل أداة ينفذ من خلالها الإنسان قراراته، أم سيصل إلى مرحلة يصبح فيها قادرًا على اتخاذ قرارات مستقلة.

وأشار "جوهر" إلى توقعه بأن العالم قد يشهد خلال نحو عامين انتقالًا أكبر نحو أنظمة تتخذ قرارات بصورة مباشرة، إلا أن هذا الطرح قُدم باعتباره توقعًا شخصيًا وليس نتيجة مؤكدة لمسار التكنولوجيا.

وفي المقابل، رأى "الزمر" أن كثيرًا من القرارات التي تبدو اليوم «ذكية» يمكن في الأساس تحويلها إلى مجموعة من القواعد والمعايير، ومن ثم يستطيع النظام التعامل معها بسرعة أكبر من الإنسان.

تابع: "لكن نقطة الخلاف الأساسية تتعلق بالمرحلة التي قد يصل فيها النظام إلى اختيار المعايير والقواعد التي يستخدمها بنفسه، بدلًا من الالتزام بالحدود التي وضعها البشر".

من الذكاء الاصطناعي إلى «AI يتعلم من AI»

كما تناول النقاش مستقبل نماذج الذكاء الاصطناعي وإمكانية وصولها إلى مرحلة يصبح فيها الذكاء الاصطناعي قادرًا على تطوير أو تعليم نماذج أخرى، وهو ما قد يسرّع وتيرة التطور بدرجة يصعب التنبؤ بها.

وحذر المشاركون من أن سرعة التطور الحالية نفسها تمثل تحديًا للشركات والأفراد، إذ تجد بعض الشركات صعوبة في تطبيق الأدوات التي ظهرت قبل أشهر قليلة، بينما تستمر نماذج جديدة في الظهور بوتيرة متسارعة.

أوضح المتحدثون، أنه لا تحتاج الشركات بالضرورة إلى ملاحقة كل نموذج جديد، بقدر حاجتها إلى تحديد المشكلات التي تريد حلها واختيار الأدوات التي تحقق قيمة فعلية لها.

الحوسبة الكمية.. قفزة محتملة في تحليل السيناريوهات

كما ناقشت الجلسة مستقبل الحوسبة الكمية (Quantum Computing)، باعتبارها تقنية قد تفتح المجال أمام معالجة عدد ضخم من الاحتمالات والسيناريوهات في وقت أقصر، بما قد ينعكس مستقبلًا على قطاعات متعددة.

لكن المشاركين أشاروا إلى أن الحوسبة الكمية لم تصل بعد إلى مرحلة تجعلها متاحة على نطاق واسع وبالتكلفة التي تسمح للشركات باستخدامها كأداة يومية، وبالتالي فإن تأثيرها التجاري الواسع لا يزال مرتبطًا بتطور التكنولوجيا وانخفاض تكلفتها.

التحدي الأكبر.. كيف تصل التكنولوجيا إلى المستخدم؟

ومع انخفاض تكلفة بناء الأنظمة وتوفير قدرات الذكاء الاصطناعي، رأى المشاركون أن المشكلة المقبلة لن تكون بالضرورة في بناء المنتج، وإنما في الوصول به إلى المستخدم وتوزيعه وتشغيله على نطاق واسع.

وبالتالي، تصبح الأسئلة الأساسية أمام الشركات أكثر ارتباطًا بكيفية زيادة المبيعات، وتقليل تكلفة التشغيل، وتحديد الأنشطة التي يمكن أتمتتها، وجمع البيانات الناتجة عنها، ثم استخدام هذه البيانات لتحسين الأداء، وفقا للمتحدثين. 

كيف تستعد الشركات لعصر الذكاء الاصطناعي؟

وخلصت المناقشات إلى إطار عملي يمكن للشركات البدء من خلاله في الاستعداد للتحول المدعوم بالذكاء الاصطناعي، يبدأ بتحديد الأنشطة التي تقوم بها الشركة حاليًا، ثم تصنيف ما يتعلق بزيادة الإيرادات وما يرتبط بالتكاليف والمصروفات.

كما حددت المناقشات أنه بعد ذلك، يمكن تحديد المهام التي يمكن أتمتتها، وحساب الموارد والتكلفة اللازمة لتنفيذها بالطريقة التقليدية، ثم مقارنة ذلك بما يمكن تحقيقه من خلال أدوات الذكاء الاصطناعي.

يظل جمع البيانات وتنظيمها وتوثيق المعرفة داخل الشركة خطوة أساسية قبل الانتقال إلى الأتمتة، إذ إن النظام الذكي لا يستطيع تقديم قيمة حقيقية إذا كانت البيانات التي يعتمد عليها غير منظمة أو غير دقيقة، وفقا للمشاركين.

في النهاية، اتفق المتحدثون بصورة غير مباشرة على أن الذكاء الاصطناعي لم يعد ميزة تكنولوجية حصرية لشركات محددة، وإنما أصبح قدرة متاحة بدرجات مختلفة للجميع، بينما ستتحدد الميزة التنافسية المستقبلية بقدرة كل شركة على تحويل هذه القدرة إلى تنفيذ أسرع، وقرارات أفضل، وتجربة عميل أكثر كفاءة، وتوزيع أكثر دقة، ونمو حقيقي في الأعمال.

 

مباشر وقت الإدخال: 04-Oct-2026 09:00 (GMT)
مباشر تاريخ أخر تحديث: 04-Oct-2026 09:37 (GMT)